تخيل معي عزيزي القارئ رجلًا من العصر الحجري يقف في كهف مظلم يضيئه بشعلة نار، أول فكرة ستأتي بداخلك هي أنه يحاول التكيف مع البرد أو يحاول اصطياد حيوان ما، أو يقوم بأي شيء ليستطيع العيش والنجاة، لكن هذا الرجل كان يمسك بالصباغ في يده ويضغط بها على الجدران.
لماذا يحاول شخص يصارع البرد والجوع واحتمالية الموت اليومية أن يستهلك طاقته بالرسم على الحائط أو ترك طبعة يده؟
هل يحاول أن يترك بصمة يقول بها: "أنا هنا، أنا موجود."؟ أم يحاول الترفيه عن نفسه بالرسم أو تزيين الكهف؟ أم هو مجرد يستكشف؟
هذا ما سأجيبك عليه في المقال وسنحاول ذكر لمحات من حياة الإنسان الأول.
هل كان الأمر مجرد زينة؟
في بدء الأمر من الممكن أن يخطر ببالك أنه يقضي وقت فراغ، يزين الكهف، أو شيء ما شابه. لكن النظرة الأنثروبولوجية تخبرنا بعكس ذلك. فالأبحاث الميدانية لعلماء الآثار مثل "دكتور جان كلوت" أثبتت أن معظم هذه الرسومات لم تكن في المناطق والكهوف التي يعيش بها الإنسان في العصر الحجري بل كانت في كهوف عميقة وصعبة الوصول أو حتى في نفس الكهوف التي كانوا يعيشون بها لكن في أعمق المساحات بها، أماكن تتطلب الزحف لمسافات طويلة تحت الصخور والجدران ومع ضوء المشاعل الضعيفة.
لكي نفهم السبب وراء تلك الرسومات علينا أولاً تغيير النظرة السائدة عن الإنسان الأول التي أوهمتنا بأنه كان شخصًا بائسًا مذعورًا خائفًا من الموت يحاول النجاة بكل الطرق ويجري يومياً بحثاً عن طعامه. لكن الدراسات الأنثروبولوجية الحديثة تشير إلى أن مجتمعات الصيد كانت تمتلك نظاماً يتيح لها أوقاتاً من الفراغ والتواصل الجماعي، بل أيضاً كانت تمتلك روابط تضامن وتعاطف عالية؛ حيث عُثر على بقايا عظام لهياكل بشرية قديمة كانت تعاني من إصابات بالغة وعاشت لسنوات، ما يدل على وجود أفراد آخرين كانوا يرعونهم ويطعمونهم.
أنا هُنا، أنا موجود.
عندما نرى طبعة يد على الجدران بالصبغة التي أُعِدت بطحن الأحجار الكريمة والمساحيق ثم إحضار أنبوب عظمي مجوف لنفخ اللون به ندرك أنه لم يكن لعبًا أو ترفيهًا، لا يوجد إنسان في بيئة قاسية وصعبة يستهلك كل هذا الجهد والتعب في المخاطرة في جوف الظلام لمجرد اللعب أو التجربة، الفعل كان محاطًا بالجدية والاهتمام.
فالهدف من تلك البصمة هو وعي الذات، قبل ظهور اللغات المكتوبة بآلاف السنين أدرك هذا الإنسان أنه سينتهي لا محالة وأن الطبيعة أقوى منه بمراحل، فكانت طبعة اليد بمثابة أثر لما بعده يقول به "أنا هنا".
أظن أنه يتسلل سؤال فضولي بداخلك يقول ما هذا العمق؟ فمن الممكن أن ذلك الشخص يحب الشقاء والعناء فصنع هذه الصبغة بكل تلك الخطوات لغرض الترفيه أو الاستكشاف فقط!
دعني أجيبك وأعطيك من براهين العلماء.
أولاً: أغلب تلك البصمات طُبِعت في أماكن صعب جداً الوصول لها وذكرنا ذلك حيث قلت لك أنها ممرات ضيقة وتتطلب الزحف على البطن.
ثانياً: التكرار العابر للقارات والدول في الكهوف المختلفة التي تبتعد عن بعضها البعض آلاف الكيلومترات، حيث وجد العلماء نفس الأسلوب في كهوف مختلفة مثل كهف الأيدي في الأرجنتين الذي يضم جدارية هائلة تحتوي على مئات طبعات الأيدي بألوان مختلفة وتعود لأكثر من ٩٠٠٠ إلى ١٣٠٠٠ عام، كهوف ماروس بإندونيسيا التي تضم واحدة من أقدم طبعات اليد التي استُكشِفت حتى الآن والتي يعود تاريخها من ٣٩٠٠٠ سنة إلى ٤٤٠٠٠ سنة، كهف شوفيه بجنوب فرنسا الذي يضم الكثير من طبعات الأيدي، والكثير من الكهوف التي وُجِد بها نفس النمط.
ثالثاً: بعد فحص بعض طبعات اليد اكتشفوا أنها كانت مطوية مثل طبع ثلاثة أصابع فقط، في البداية ظنوا أنها قُطِعت لسبب ما لكن التحليل التشريحي أثبت أن الأصابع كانت مطوية بقصد وهذا معناه أنها كانت لغة إشارة بينهم يفهمها أبناء المجموعات الأخرى.
رابعاً: وُجِد في بعض الكهوف لوحات كاملة تسمى جدران الأيدي حيث يوجد بصمات أيادي الكبار والنساء والأطفال والرجال موضوعة بجانب بعضها البعض وأحياناً تعلوها طبقات من الصبغات على مر سنوات طويلة. هذا التجميع يدل على فعل جماعي منظم يشبه سجل الحضور.
أعتقد أننا فهمنا الهدف وراء طبعات اليد لكن لم نفهم بعد الهدف وراء تلك الرسومات التي تشبه الحيوانات.
هذا ليس جدارًا، هذا غشاء يفصل بيننا وبين الأرواح!
الجدار بالنسبة لهم لم يكن مجرد جدار بل كان غشاءً يفصل بين العالم المادي وعالم الأرواح. في الظلام الدامس وتحت الضوء الطفيف المشتعل كان الإنسان البدائي يتأمل انحناءات الصخور وأشكالها، فيرى بها طيف حيوان مثل ظهر حصان أو رأس ثور فيُكمل الخطوط بالصبغة وكأنه يخرج روح الحيوان من الصخرة للسيادة عليها والتغلب على الخوف منها.
كان يقتادهم الاعتقاد بأن رسم الحيوان على الجدار هو محاولة لأسْر روحه والسيطرة عليه نفسياً قبل الخروج لمواجهته في الطبيعة. عندما ترسم ما تخافه على الجدار، فأنت تحوله من كائن مرعب في الخارج إلى صورة تحت سيطرتك في الداخل.
أيضاً هذا الرسم كان نوعاً من أنواع التدريس ونقل المعرفة وحفظ ذاكرة الجماعة. قبل اختراع الكتابة أو المدارس، كيف كان الإنسان ينقل خبرته لأبنائه وأفراد عشيرته؟
الرسم على الجدران كان بمثابة أول كتاب مصور في التاريخ تشرح فيه المجموعات سلوك الحيوانات وطريقة حركتها وبنيتها التشريحية.
بعض الرسومات (كما في كهف شوفيه) كانت تُترجم أقدام الحيوان ورأسه بشكل مكرر بحيث عند تحريك المشعل أمام الرسمة في الظلام، تعطي إيحاءً بالحركة وكأن الحيوان يركض فعلياً، مما يساعد في تدريب الشباب على فهم حركة الفريسة أو المفترس.
في النهاية، عندما ننظر إلى تلك الجدران، ندرك أن الأدوات فقط هي التي تغيرت عبر عشرات آلاف السنين؛ فبدل الصباغ والأنابيب والجدران الحجرية المظلمة، صرنا نستخدم الأوراق، الأقلام، وشاشات الهواتف.
لكن الدافع الإنساني العميق ظل ثابتاً لم يتزحزح منذ العصر الحجري. نحن نكتب، ونرسم، ونبني، ونبحث عن المعنى لنفس السبب الذي جعل ذلك الرجل يتحمل المشقة وينزل إلى عمق الكهف لنهزم النسيان ونترك أثراً يتحدث عنا. واظن أن ذلك الفعل شيء فطري بنا كبشر فالبشر هم الكائنات الوحيدة على الأرض التي تملك وعياً بالمستقبل فنحن نعلم يقيناً أن أجسادنا فانية وأن حياتنا لها نهاية. هذا الوعي يخلق نوعاً من القلق الوجودي الفطري.
عالم النفس إرنست بيكر في كتابه الشهير "إنكار الموت" يوضح أن الإنسان لكي يتغلب على هذا الخوف الفطري يلجأ للتركيز على ترك شيء يتبقى بعده سواء كان رسماً على جدار، أو كتاباً، أو بناءً، أو حتى فكرة.
المصادر:
كتاب العاقل: تاريخ مختصر النوع البشري
رابط الخاص بمنظمة اليونسكو (UNESCO ) كهف الأيدي، ريو بينتوراس
https://whc.unesco.org/en/list/1426/?hl=ar-001
رابط أبحاث دكتور جان كلوت والفرضية الشامانية
https://www.bradshawfoundation.com/clottes/?hl=ar-001
.الدراسات الأنثروبولوجية عن الرعاية الاجتماعية والإصابات مجلة Nature / Scientific Reports







👏👏👏
المقال رائع بجد وباين المجهود 🤍🤍