كيف تُشكَّل هوية المراهق؟
في حين يتصفح المراهق الإنترنت ويجد عشرات الصور والفيديوهات، ويقول بداخله: "وددت لو كنت مثل هذا وذاك"، يراوده سؤال فجأة يخترق عقله ويحاصر أفكاره: "من أنا في الأصل؟ وماذا أريد؟"
لنبدأ مقالنا بشكل واضح، ولنسهّل عليك الفهم عزيزي القارئ، دعنا أولًا نوضح ما هي الهوية في الأصل.
باختصار، الهوية هي كل ما يميّز الفرد عن الآخر، وهي أيضًا إجابة على سؤال: "من أنا؟"
وليست فقط اسمك الكامل أو لونك المفضل، بل تشمل أفكارك، معتقداتك، ثقافتك، وكل ما يعبّر عن داخلك.
قرأت عبارة تقول: "يتم تحديد هويتك من خلال ما أنت على استعداد للنضال من أجله."
في مرحلة المراهقة تبدأ الهوية بالتشكّل من خلال تجارب ومحيطات وعواقب كثيرة يمر بها المراهق. وتُعدّ المراهقة فترة انتقالية يواجه فيها صراعات لا حصر لها، ويمرّ فيها بتغيرات جسدية وفكرية ومعايير اجتماعية، حيث يجد المراهق صعوبة في فهم من هو، وهل ما زال طفلًا أم بدأ ينضج.
لماذا المراهقة مرحلة حاسمة لتشكل الهوية؟
تعد المراهقة مرحلة أساسية لتكون الهوية، وهذا لعدة أسباب:
1. التغيرات الجسدية
يخضع المراهق لتغيرات جسدية ونمو سريع وتقلب هرموني، فيشعر المراهق أنه لم يعد طفلٌ بعد، لكن لحظة، هو ليس ناضج أيضاً!
هذة التغيرات تجعله يبدأ في تقييم نفسه ومظهره ، وحتى تغيير نظرته لنفسه.
ومن هنا تبدأ أول علامات تشكل الهوية
2. التغيرات الفكرية
يبدأ المراهق في التفكير النقدي ، لم يعد طفل مسالم لجميع الأفكار والقواعد، بل أصبح يرى المواضيع من منظوره هو ، لا كما فرض عليه أو قيل له.
دعني عزيزي القارئ في اعطائك مثال واقعي بسيط:
في بعض الأسر، يفترض على كل الأبناء أن يلتحقوا بفرع علمي رياضة ليكونوا "مهندسي العائلة" . لكن نوح قرر أن يفكر بمنظوره الخاص:
أنا لا أحب الهندسة، وباقي أفراد الأسرة لا يحبونها أيضًا، فلماذا أدرس شيئًا لا يهمني؟
بدلاً من اتباع ما فرض عليه، اختار أن يلتحق بالفرع الأدبي لدراسة علم النفس، وهو المجال الذي يعكس اهتمامه وشغفه.
هذا القرار يعكس أول خطوات المراهق نحو تشكيل هويته الخاصة، حيث يبدأ في اختيار ما يناسبه، حتى لو اختلف عن توقعات محيطه.
3. الاستقلالية
في هذه المرحلة يصبح المراهق أكثر استقلالية عن أهله، لأنه أصبح اكثر نضجاً للتعامل مع بعض المواقف بدون مساعدة من الأهل ، يستطيع الدراسة بمفرده ، التعامل مع البشر بمفرده بدون خوف، وأشياء آخرى.
فيبحث المراهق عن الاستقلالية بنفسة في اتخاذ قراراته ، ماذا يحب وماذا يكره، اصدقائه، واكتشاف ما يناسبه وما لا يناسبه.
4. البيئة المحيطة
يرى المراهق عدة آراء ومعتقدات من البيئة المحيطة به مثل الأهل والأصدقاء ومواقع التواصل الاجتماعي والمجتمع، ومن الغريب أن هذه الآراء تحمل تناقضات غير مفهومة، ف الخطأ عند الاهل صحيح عند الاصدقاء وغريب عند مواقع التواصل الإجتماعي ومميز عند المجتمع، فيبدأ في النظر إلى العالم بعينه هو ، وبناء معتقداته الخاصة.
......
ومن الأشياء التي أريد أن أوصيك بها عزيزي القارئ هي فهم ديننا وتعلمه. فالدين ليس مجرد أن نصلي مع المصلين ونصوم مع الصائمين، بل هو من أسس تكوين شخصيتك وقيمك ومبادئك المستقبلية. عندما تتعلم دينك وتفهمه بوعي ستعرف كيف تتخذ القرارات الصحيحه وتفرق بين ما هو صحيح وما هو خطأ فالدين يوفر لك مبادئي أخلاقيه وأسس قوية يمكنك الاعتماد عليه عند مواجهة الصراعات، التجارب ، والضغوطات النفسية.
بعد ذكرنا لبعض الأسباب التي تجعل من المراهقة مرحلة حاسمة في بناء الهوية، يمكننا الآن أن نعرض عليك مراحل تشكل الهوية الهوية عند المراهق ، ولكن أريد أن أوضح لك أن عادة تتم عملية تكوين الهوية بشكل تدريجي وغير واعي ، ويتم ذلك على مراحل. لا تتخذ القرارات مرة واحدة وإلى الأبد، بل يجب اتخاذها مرارا وتكرارا.
ويمكننا فهم تشكل الهوية في مرحلة المراهقة من خلال نظرية إريك إريكسون الذي اعتبر المراهقة المرحلة الحاسمة في بناء الهوية، وقد قسمت هذة المراحل إلى أربعة:
1. Identity Diffusion /تشتت الهوية
وهي أول مرحلة في مراحل تشكل الهوية، مراهق مشتت لا يمتلك اي نوع من أنواع القيم والمعتقدات الخاصة به أو التي يلتزم بها ، ولا يملك تصور ثابت عن شخصيته، هو يساق مع بيئته ، ولا يبذل جهد لمعرفة ذاته.
2. Foreclosure/ الهوية المؤقتة
في هذه المرحلة يبدأ المراهق بإتباع الأدوار المحددة من الاخرين وقيمهم ، وغالبا ما تكون الأسرة والبيئة المحيطة. هو ملتزم بها نوعاً ما ، لكن لم يسأل إذا كانت تناسبه ام لا.
3. مرحلة الاستكشاف / Moratorium
هي مرحلة الاكتشاف، يبدأ المراهق بالتجربة والخوض في اكتشافات عديدة لبناء الهوية، فتجد أنه متقلب ، كل حين يجرب شيء ما وسلوكيات مختلفة (غالباً تؤخذ من المحيط به من أهلة وأصدقائه ومن يتابعهم على مواقع التواصل الإجتماعي) ، وتعرف هذه المرحلة بالتوتر والضغط النفسي وعدمية وجود الالتزام، وهذا طبيعي جداً لأنه ما زال يجرب ويستكشف.
4. الهوية المتحققة / Identity Achievement
في هذه المرحلة يبدأ المراهق بالنضج والوعي بنفسه وهويته ويضع القواعد والقيم التي سيلتزم بيها ويبني المعتقدات الخاصة به. وتتميز هذه المرحلة بالرضا عن النفس واستقلاله بنفسه، وأحياناً لا يرضى تماماً عن نفسه وعن نتائجه ولكن مع الوقت والخبرة يمكنه تحسين هويته بشكل أفضل. يتسم المراهق في هذا الوقت بالقابلية على تغيير بعض الاشياء إذا شعر أنها الأنسب له.
......
وفي النهاية، عزيزي القارئ، من الطبيعي أن تمر بكل هذه المراحل الشاقة وأن تتعرض لبعض التساؤلات المرهقة حول نفسك ومستقبلك. لا تفقد الأمل، فسن المراهقة هو سن التجربة والاكتشاف ثم البناء، وكل هذا من خلال التجارب، الصراعات مع النفس والبيئة، والمجازفة ببعض الأمور التي قد تصيب وقد تخطئ، لتكتشف في النهاية هويتك الحقيقية.
بقلم/ يارا محمد.


تعرفي لما حكيتي عن الفروع الأدبي و العلمي ،فعلا انا اخترت الأدبي وهلي علمي و هم كانوا منصدمين لأني اخترت ادبي و حمدلله ربي يسرها لي و قعدت مترجمة و مقالك رائع جدا 💞💞💞
اعجبني تعريف الهوية بانها كل ما يميز الفرد عن الآخر، عادة ما يحب الناس التعقيد في شرح مثل هذه الأمور