تخيل، عزيزي القارئ، مجرماً يطلق النار على الرئيس الأمريكي رونالد ريجان سنة ١٩٨١ ولا يسجن لبقية حياته أو يعدم، بل يتركونه كأنه ليس بفاعل!
غالباً انت تظن أن لديه دافعاً سياسياً أو إيدولوجياً، وبعد إطلاقه للنار ارتدى قبعة الإخفاء ولم يستطيعوا الحصول عليه حتى الآن. لكن على العكس، كان هينكلي جونيور مهووساً بممثلة هوليوود معروفة، وظن أنه حين يغتال الرئيس سوف يجذب انتباهها ويجعلها تقع في غرامه، وكل هذا لأنه كان يعاني من فصام وذهان حاد وضلالات مرضية.
وكان حكمه النقل لمستشفى سانت إليزابيث للطب النفسي والعصبي تحت مراقبة أمنية مشددة، وقضى من عمره ٣٥ عاماً متواصلة، وأفرج عنه كلياً حين تأكدوا أنه شُفي تماماً.
تطرح هذه الواقعة واحدة من أكثر القضايا جدلاً في تاريخ العدالة والطب النفسي؛ فهي تضعنا أمام سؤال أخلاقي وقانوني شائك: هل المرض النفسي يُعد مبرراً للجريمة أم شماعة للإفلات من العقاب؟
للإجابة عن هذا التساؤل، يجب أولاً التمييز الحاسم بين مفهومين يُخلط بينهما كثيراً: "المرض النفسي" كحالة طبية، و"عدم المسؤولية الجنائية" كحالة قانونية. فالقانون لا يعاقب الإنسان على مجرد مرضه، بل يعاقب على "الإرادة في ارتكاب الجريمه". وفي حالات الذهان والقصور الإدراكي الحاد، يحدث ما يُعرف بـ "استلاب الإدراك"، حيث يفقد الجاني قدرته على التمييز بين الصواب والخطأ لحظة ارتكاب الفعل، مما يعني عدم وجود القصد الجنائي أساساً.
ولأن يجب علينا التفرقة بين الأمراض النفسية التي تسبب إلى انعدام الإدراك والأمراض النفسية التي يظل بها المريض على وعي وإدراك بأفعاله وأحواله دعنا نطرح ذلك الآن لنفرق بينهم:
اولا : الاضطرابات التي تُوجب الإعفاء (استلاب العقل والوعي)
تضم هذه الفئة الحالات التي يحدث فيها خلل عضوي أو كيميائي حاد في الدماغ يُعطل مراكز التفكير المنطقي وربط المسببات بنتائجها (كالذهان، والفصام في نوباته النشطة، والاضطراب الوجداني ثنائي القطب في مرحلة الهوس الحاد).
التمارض: كيف يكشف الطب النفسي إذا كان المجرم بالفعل مريض نفسي ام يتمارض للإفلات من العقاب؟
اولا: الملاحظة والسلوك المستمر
يوضع المتهم تحت الملاحظة الطبية المشددة في مصحه نفسية مغلقة لعدة أسابيع تصل إلى ٣٠ أو ٤٠ يوماً.
إتقان التمثيل والتمارض لمدة ساعه ممكن ، لكن الإستمرار في التمثيل على مدار ٢٤ ساعه يومياً امان التمريض والكاميرات أمر مستحيل.
غالباً ما ينسى وهو يأكل أو أثناء الحديث مع النزلاء الآخرين أو يكشف أثناء النوم.
ثانياً: تنتقد الأعراض مع النمط الطبي السليم
الأمراض النفسية الحقيقية كالفصام أو الذهان لها بصمه إكلينيكية يعرفه الأطباء بينما المتهم المصنع يقع في فخ المبالغة.
ثالثاً: الإختبارات النفسيه الدقيقة
يستخدم الأطباء مقاييس واختبارات مصممه لكشف الخداع والتمارض ومن أشهرها اختبار
(SIRS - structure interview of reported symptoms)
وهو مقياس يقيم طريقة تقديم الأعراض ويكتشف ما إذا كان الفرد يدعي أعراضاً خاطئه أو غير متناسقة مع أي مرض معروف.
رابعاً: غياب التوافق بين الدافع والجريمه
بدري الأطباء مسرح الجريمه وسلوك الجاني قبل وبعد الفعل. إذا قام الجانب بالتخطيط المحكم ، مسح الأدلة، أخذ احتياطاته، أو محاولة الهروب وتغظية معالم الجريمه فهذا دليل قاطع على أن مركبات المحاكمه العقلية والتفكير المنطقي كانت تعمل بكفاءه وقت الفعل، مما ينقض ادعاء الذهان أو غياب الوعي المفاجئ.
ولم تكن هذه الدقة في التمييز بين المريض والمتمارض فكرة حديثة، بل هي رحلة شاقة خاضها الفكر البشري عبر التاريخ للوصول إلى العدالة؛ إذ صارع الإنسان طويلاً لحل تلك المشكله.
حيث قال الفيلسوف الإغريقي أفلاطون رأيه التاريخي في الكتاب التاسع من كتاب القوانين:
"لقد كنا، على ما أعتقد، قد سننّا القوانين المتعلقة بأولئك الذين ينهبون الآلهة، وبالخونة، وكذلك بأولئك الذين يخرّبون القوانين بقصد الإطاحة بالدستور القائم. وقد يرتكب الإنسان فعلًا من هذا النوع وهو مجنون، أو وهو يعاني من مرضٍ ما، أو بسبب خَرَفٍ شديد، أو في حالة من الطفولية تجعله لا يكون أفضل حالًا من المجنون. فإذا عُرضت يومًا على القضاة المختارين قضية من هذا النوع، سواء بناءً على إبلاغ مرتكب الفعل نفسه، أو بناءً على ادعاء من يترافع نيابةً عن مرتكب الفعل، وحُكم بأنه كان في هذه الحالة من الجنون عندما خالف القانون، عندئذٍ يجب عليه بالتأكيد أن يدفع تعويضًا عن الضرر الذي أحدثه، ولكن فقط بالمبلغ المطابق للضرر، ويُعفى من التهم الأخرى، إلا إذا كان قد قتل إنسانًا ولم يُطهّر يديه من الدم؛ ففي هذه الحالة يجب عليه أن يغادر إلى بلدٍ ومكانٍ آخر، وأن يعيش هناك منفيًا لمدة عام. وإذا عاد قبل انقضاء المدة التي حددها القانون، أو وطئت قدماه بلده بأي شكل، فعلى حراس القوانين أن يضعوه في السجن العام لمدة عامين..."
وعلى الرغم من تقدم طرح أفلاطون مقارنةً بقسوة التشريعات البدائية القديمة، إلا أن الحضارة الإسلامية أحدثت نقلة جوهرية في مفهوم العدالة والرحمة؛ إذ لم تكتفي بتخفيف العقوبة، بل أسقطت المسؤولية الجنائية والشرعية بالكامل عن المريض عقلياً، اعتباراً للحديث النبوي الشريف: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَبْرَأَ».
لقد قدمت الشريعة مبدأً إنساني معناه أن العقاب يلازمه الإرادة والوعي، وهو ما يوجد في الكتاب الكريم : ﴿.... وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ...﴾ [الأحزاب: 5]. فإذا غاب العقل سقط الإثم. ولم يقف هذا الفكر عند حدود التشريع، بل ظهر عملياً في إنشاء البيمارستانات التي اخذت بالمرضى النفسيين وعالجتهم دون وصمٍ أو عقاب.
و استمر هذا التطور التاريخي حتى ظهر في القرن التاسع عشر ميلاد أول معيار قانوني حديث لتحديد المسؤولية الجنائية؛ والظاهر في «قواعد ماك نوتن» في بريطانيا. لتصبح العبارة التي تحكم المحاكم الجنائية حتى اليوم هي: هل كان الجاني لحظة ارتكاب الفعل يعي تصرفه، وهل كان يدرك أنه يفعل شيئاً خاطئاً؟
في النهاية المرض النفسي لا يبرر الجريمة كقاعدة عامه نأخذها في كل المواقف، ولكنه يلغي العمد والإراده في حالات خاصة ومحددع جدا كما ذكرناها في الأعلى.
العدالة الحقيقة لا تكمن في الانتقام من جسد لا يحمل عقل سليم بالكامل ، بل في حماية المجتمع منه دون أن تفقد إنسانيتها.
المصادر:
Source: United States Secret Service (.gov) https://share.google/YxtFLIs9sVRylQSf8
Source: PubMed Central (PMC) (.gov) https://share.google/IUrq78AibwCdDdvOl.
Source: Palo Alto University - Psychology https://share.google/zNqHumqY3yiKONi8y
Source: Forensicare https://share.google/j3X2ItG9TtZl45JuS
Source: National Institutes of Health (NIH) | (.gov) https://share.google/KQGqnmCeM6SeKZ41x
أفلاطون، القوانين (Laws)، الكتاب التاسع، الفقرة 864d.
https://www.perseus.tufts.edu/hopper/text?doc=Perseus%3Atext%3A1999.01.0166%3Abook%3D9%3Asection%3D864d&hl=ar-001ق





حبيتتت اوي بجد بجد رائع
ما شاء الله عليكي جميل جدا 👏👏